مسرحية «السيّد» تراجيديا الصراع بين الحبّ والواجب



نـذيـر جعفـر:من جديد تعود الروح إلى أروقة الحياة المسرحيّة المهجورة في حلب، فينطلق مشروع مسرح الهواة الدائم بمبادرة من وزارة الثقافة،
وبإشراف الفنان عمر حجّو. وتُؤَسَس عدّة فرق، مثل: أحلام كبيرة، والفن، وكاريزما، والنور «للأطفال». وتُقدَّم ـ بعد صمت طويل ـ مسرحيتا الماغوط: «المهرّج» بإخراج بشار فستق، و«كاسك يا وطن» بإخراج مضر رمضان، في موسم واحد! كما يستعيد المسرح الجامعي بعض أمجاده القديمة فينهض من رقاده بمواهب واعدة ويقدّم قبل مدّة مسرحيّة: «طفل زائد عن الحاجة» لعبد الفتاح قلعجي. ويواصل مسرح حلب القومي تقليده السنوي بتقديم عرض يتيم مذكِّراً بأن المسرح ما زال حيّاً على الرغم من كل المصاعب التي يواجهها! وبين هذا وذاك ظل المخرج المعروف د. وانيس باندك حاضراً في المشهد المسرحي الحلبي سواء بعروض فرقته «الشهباء» التي أسّسها منذ مطلع الثمانينيات، أم عبر ما يقدّمه من عروض باسم المسرح القومي. وكان آخر أعماله للمسرح القومي عرض مسرحيّة اقتبسها الدكتور رياض عصمت عن نصّ مسرحيّة «السيّد «La Cid للكاتب الفرنسي بيير كورني «1606- 1684 م» الذي يعد رائد الكلاسيكية الجديدة Newclassicism في المسرح الفرنسي.‏‏‏
النّص‏‏‏
يعود نص مسرحيّة كورني للعام 1636م، وسبق له أن أثار معركة أدبية عندما عُرِض للمرّة الأولى بسبب خروجه عن التقاليد الصارمة للكلاسيكية المتمثّلة في الوحدات الثلاث: وحدة الزمان، ووحدة المكان، ووحدة الحدث. ولم تهدأ تلك المعركة إلا بعد التقرير الذي قدّمته الأكاديمية الفرنسيّة، وامتدحت فيه الجوانب الكلاسيكية المحضة في المسرحية، وأخذت عليها الخلط بين المأساة والملهاة من جهة، وحشر أحداث تزيد مدتها عن أربع وعشرين ساعة من جهة ثانية.‏‏‏
وقد نجح نصّ كورني في الصمود أمام الزمن على الرغم من الانتقادات التي وجِّهت إليه في وقته، بدليل أنه ما زال يُقدّم حتى اليوم على مسارح عدّة في العالم! ويعود ذلك إلى بنيته التراجيدية التي تُصوِّر الإنسان في صراعه القاسي مع نفسه، والآخرين، ومقتضيات الواجب والشرف التي تدفعه إلى التضحية بمشاعره وعواطفه من أجلها.‏‏‏
ففكرة الصراع تنتمي إلى مناخات المسرح الكلاسيكي وتجد تعبيرها في وضع الشابّة «شيمين» أمام اختيارين مرّين، أولهما: أن تتغاضى عن مقتل أبيها «الكونت» على أثر مبارزة مع خطيبها «دون روردريغ» الذي ثأر لشرف أبيه بعد الإهانة التي ألحقها به الكونت، وتكمل قرانها منه. وثانيهما أن تثأر لأبيها من حبيبها تبعاً لما يقتضيه واجب الأبوّة، مضحية بحبها وقرانها انتصاراً للشرف والعدالة.‏‏‏
وتدور أحداث المسرحية ككل التراجيديات الكلاسيكية في البلاط الملكي وامتداداته في المكان والشخصيّات حيث نتعرّف أيضاً إلى الملك ومستشاريه: دون دييغ، ودون سانش، وابنته الأميرة، والمربية «ألفيرا» والوصيفة «ليونور». ويبدو الملك من بين كل هؤلاء قائداً حكيماً طيب القلب يضع مصلحة وطنه فوق الجميع. وعلى ضوء تلك المصلحة يوجه ميزان عدالته ويصدر أحكامه.‏‏‏
وقد أشار المخرج د. وانيس باندك إلى أن هناك مسافة بين نصّ كورني والنّص المقتبس الذي أعدّه د. رياض عصمت، حيث نأى النّص المقتبس عن الجملة الشعرية التي تهيمن على النّص الأصلي، وخلّصه من الاستطرادات، وأولى البنية الدرامية فيه المقام الأوّل، عبر تحويله إلى مشاهد تلفزيونية قوامها الحوارات القصيرة والمعبّرة، والمشاهد المتواترة.‏‏‏
وبذلك نكون أمام ثلاثة نصوص، الأول لكورني، والثاني لعصمت، والثالث لباندك الذي وضع عليه لمساته بما يتناسب مع رؤيته الدرامية والإخراجية. وتصبّ هذه النصوص الثلاثة في عرض واحد يمثّل مجمل الرؤى بما فيها إضافات وتحويرات وتجسيدات الممثلين، وتأثيرات السينوغرافيا من ديكور، وإضاءة، وموسيقا، وماكياج، وسوى ذلك.‏‏‏
العرض‏‏‏
أوّل ما يطالع المتفرّج لحظة دخوله صالة العرض خشبة المسرح المكشوفة التي تشي بالسواد الذي يلفّها من كلّ صوب بطقس جنائزي مرتقب. مهيئة بذلك عقل المتفرّج ومخيّلته لأفق من التوقعات المأساوية التي سيواجهها أبطال المسرحيّة.‏‏‏
ويأتي المشهد الأول ناسجاً أولى خيوط الحبكة الدرامية عبر الملاسنة التهكمية بين «الكونت»/ حازم حدّاد، والد «شيمين» / رشا رستم، و«دون دييغ»/ سمير طويل، والد «رودريغ»/ أسامة عكّام. وتنتهي تلك الملاسنة بإهانة «دون دييغ» المحارب القديم الذي حظي بتكريم الملك له. مما يدفعه إلى التماس الثأر له على يد ابنه «رودريغ» خطيب «شيمين»!‏‏‏
وهنا كان ينبغي أن يُلاحِظ المتفرّج الصراع العنيف داخل الشاب «رودريغ» بين أن يثأر لأبيه من والد خطيبته مضحيّاً بقرانه منها، وبين أن يمتنع عن الثأر حبّاً بها فيكرّس بذلك الإهانة التي لحقت بأبيه. ولكن ذلك لم يحدث فسرعان ما يقرّر «رودريغ» الثأر لكرامة أبيه، ويخوض المبارزة التي تنتهي بمقتل «الكونت» على يديه. وبانتهاء هذا المشهد يبدأ الصراع داخل «شيمين» التي تتردّد ما بين الثأر لمقتل أبيها من حبيبها انتصاراً للعدالة والشرف والواجب، أو التنازل عن حقّها استجابة لحبها له.‏‏‏
تحاول المربية «ألفير»/ سوسن علي تهدئة نار الصراع داخل «شيمين» وثنيها عن الثأر لأبيها، كاشفة بذلك نقطة ضعفها في حبها القوي لرودريغ، كما تقف إلى جانبها الأميرة/ ديانا فلاحة، موقفاً نبيلاً في محاولتها إعادة المياه إلى مجاريها وتتويج خطبتها بالقران، لكن «شيمين» لا تهدأ روحها، فتدوس على قلبها وتطالب الملك/ جمال مكانسي بإحقاق الحق والعدالة في معاقبة القاتل حتى لا يتمادى هو وغيره في خرق القانون.‏‏‏
وفيما يشتد هذا الصراع الذي يدخل فيه الملك طرفاً حفاظاً على روح الفارس النبيل «رودريغ» الذي أبلى بلاء بطولياً في صدّ هجمات الأعداء عن الوطن، ينبري مستشار الملك «دون أرياس» لمبارزة «رودريغ» ثأراً للكونت على أمل أن يحظى بابنته «شيمين» زوجة له. ويوافق الملك على هذه المبارزة تحت ضغط «شيمين» التي تعهدت بالزواج من المنتصر في المبارزة سواء أكان «رودريغ» أم «دون أرياس».‏‏‏
ويأتي المشهد التالي بعد المبارزة لنرى فيه «دون أرياس» في حضرة «شيمين» حاملاً سيف «رودريغ» ما يوحي بانتصاره عليه في المبارزة. وهنا تنطلق عواطف «شيمين» الكامنة نحو حبيبها «رودريغ» مثل سيل جارف، فتلعن قاتله وترفض أن تتزوج منه ناكثة بالعهد الذي قطعته على نفسها قبل المبارزة! وتتكشّف لها الحقيقة بعد ذلك لتعرف أن «رودريغ» لم يمت، وقد انتصر في المبارزة على «دون أرياس» لكنه أبى أن يقتله نبلاً منه. وبذلك يقرر الملك حفل قران «شيمين» و«رودريغ» مباركاً نبالة الفارس وشجاعته، ومطلقاً عليه لقب «السيّد» لما قدمه من تضحيات، ومثنياً على وفاء الابنة لأبيها وتمسكها بالعدالة حتى لو كانت على حساب حبّها. وهنا ينتصر للمرة الأولى الحب على الواجب وعلى القصاص العادل، لكنه ليس الحب الذي يجمع بين العاشقين فحسب بل حب الوطن الذي دافع عنه «رودريغ» ببسالة أنقذته من الوقوع في براثن الأعداء، وبذلك استحق عفو الملك، وعفو «شيمين» لأن لا حب، ولا عدل، خارج أمن الوطن وعزّته. وتلك هي الرسالة التي حاول العرض إيصالها إلى المتفرّج.‏‏‏
ليس من السهل التعامل مع عمل تراجيدي من هذا الوزن سواء على مستوى تجسيد الشخصيّات وحركتها وأدائها، أم على مستوى الديكور، والإكسسوارات، والألبسة، والماكياج، والموسيقا، والإضاءة. وذلك لأن المسرح الكلاسيكي الجديد يجمع بين عراقة الكلاسيكية ونزعة الخروج عنها. وذلك يتطلب مهارات مضاعفة لم تتوفر في الكادر العام لهذا العرض.‏‏‏
فالمشهد الأول بين «الكونت» و«دون دييغ» الذي يُعدّ منطلق الحبكة التراجيدية بدا كما لو أنه بين دميتين مهذّبتين لا بين فارسين متنافسين لهما ما لهما من البطولات والمكانة الاجتماعية والسياسية في البلاط الملكي. فلا هيبة في اللباس، ولا هيبة أو رشاقة في الخطوة أو الوقفة، ولا تأثير في نبرة الصوت وطبقاته، ولا تعبيرات في ملامح الوجه تكشف عن أبعاد الصراع الخفيّ بينهما على الرغم من علاقة المصاهرة التي تربطهما. وما يثير الاستغراب حقاً أن من أدّى دور «الكونت» هو حازم حداد الذي سبق أن أدهشنا في غير عرض مسرحي! وكأني به لم يكن راضياً عن دوره، أو لم يكن متناغماً معه على الأقل، أو أنه لم يعطه حقه. والبلاط الملكي خلا من كل المؤثرات التي تعزّز تراجيدية الصراع، سواء في الديكور، أم في عدد الممثلين وحركتهم على الخشبة، أم في علاقة البلاط بما يحدث على الجبهة مع الأعداء المهاجمين. اللهم إلا اللون الأسود وحده الذي كان يطغى على ما عداه في إشارة إلى مأساوية الصراع وما يعد به من احتمالات، وكذلك الموسيقا التصويرية التي كانت ترافق حالات التردّد والخوف والحب والانتقام. وبدت بعض الأدوار باهتة في حضورها الخاطف الذي لم يترك أي أثر يذكر كما في دور الوصيفة «ليونور»/ سوزان يوسف، التي جاءت كتكميل عدد وتحصيل حاصل، على أهمية ما يمكن أن تؤديه في مثل هذا النوع من المسرحيات.ولكن ذلك لم يقف حاجزاً أمام تألق بعض المشاهد، كما لم يقلّل من أهمية الحركة المدروسة والسريعة والمدهشة في الانتقال بين مشهد وآخر، وفي شد انتباه المتفرجين طوال العرض، وفي إثارة تشويقهم وعواطفهم تجاه ما يحدث أمامهم على الخشبة، والذي يجد صداه بشكل أو بآخر في نفوسهم المتعطشة للحب والعدالة معاً، وفي تفاعلهم وتصفيقهم للمشاهد المؤثرة ولا سيما تلك التي أدتها بجدارة منقطعة رشا رستم في دور «شيمين». وأسامة عكّام في دور «رودريغ»، وجمال مكانسي في دور «الملك».‏‏‏
إن المخرج د. وانيس باندك المعجون بعشق المسرح، منذ عرفناه في السبعينيّات، والذي تشهد له أعماله الكثيرة بدأبه وجرأته وإبداعه المتميز تأليفاً وإخراجاً، ويكاد وحده يشكّل ظاهرة مسرحيّة، قدم تجربة خاصة في هذا العرض. فهو حافظ على روح النّص من جهة، وحاول أن يقدمها برؤيا معاصرة تحاكي الواقع الواقع الذي نعيشه من جهة ثانية.‏‏‏
أما ما يثيره عرضه من ملاحظات تتعلق بمحدودية توظيف التقنيات، والديكور، وتفاوت الأداء الحركي والصوتي والتعبيري تفاوتاً كبيراً بين ممثل وآخر لا يسيء إلى هذه التجربة بقدر ما يضعها موضع المراجعة والنقد توخيّاً للأكمل والأجمل والأمتع، الذي يشكل القاسم المشترك لدى كل عشاق المسرح.‏‏‏
بطاقة العرض‏‏‏
ـ مسرحية السيّد: بيير كورني.‏‏‏
ـ اقتباس: د. رياض عصمت.‏‏‏
ـ إخراج: د. وانيس باندك.‏‏‏
ـ تقديم: المسرح القومي في حلب، صالة دار الكتب الوطنية، بدءاً من 16/ 7/ 2011.‏‏‏
ـ تمثيل: رشا رستم، سوسن علي، ديانا فلاّحة، سوزان يوسف، حازم حدّاد، سمير طويل، اسامة عكّام، حسان الفيصل، محمد سالم، جمال مكانسي.‏‏‏
ـ الفنيون:‏‏‏ مساعد المخرج: أحمد جمالي. ديكور وإعلان: عدنان ثلجي. تصميم الإضاءة: عمّار جرّاح. تنفيذ الإضاءة: نوفل جدوع. هندسة الصوت: بيبرس ماوردي. مختارات موسيقية: مرغريت خجادوريان. استوديو: سيدرة. ماكياج: هوري صابونجيان. تنفيذ الملابس: حسان ذهبي.
ملحق ثقافي الثورة 2011/8/2


المصدر:
http://www.moc.gov.sy/index.php?d=64&id=13550

جميع الحقوق محفوظة © 2008 جامعة الدول العربية